21‏/07‏/2012

الفاروق

عمر
(عدلت فأمِنت فنمت)
أبو حفص عمر بن الخطاب، المُلقب بالفاروق،
أحد المبشرين بالجنة، وأحد كبار الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد أقوى خلفاء المسلمين، وأشهر القادة في التاريخ الإسلامي وأكثرهم تأثيرًا ونفوذًا، محطم إمبراطوريتي الفرس والروم، سور الإسلام، وحصنه الحصين، ودرعه المتين، رمز العدل، ومنبع العبقرية، نسيج وحده، وفريد عصره،
كان من أشد الناس عداوةً للإسلام وأتباعه، وكان يرتكب بعض المعاصي قبل إسلامه، فلما أسلم أصبح نموذجاً للعفة والنزاهة والعدل،
وعدله رضي الله عنه ليس له مثيلاً في تاريخ البشرية،
والغربيين قبل المسلمين يعترفون له بذلك،
حتى أن الكاتب والمؤرخ الأمريكي (ويل ديورنت) وهو من أكبر المؤرخين في العالم، في كتابه الشهير (العظماء مائة وأعظمهم محمد) (ص)، وضعه في الترتيب الواحد والخمسين بين عظماء التاريخ، ورغم كونه قدمه على الكثير من العظماء، إلا أنه في نظري يستحق مركزاً أكثر تقدماً منهم، فهو يستحق الترتيب الثاني بعد الرسول (محمد) صلى الله عليه وسلم، نظراً لأن الكاتب يرتب العظماء على حسب درجة تأثيرهم في العالم الذي عاشوا فيه، ومدى إمتداد ذلك التأثير إلى الوقت الحاضر، وكذلك مدى نجاحهم في جميع المجالات المختلفة،
وبناءً على ذلك فقد وضع محمد (ص) في المركز الأول، متقدماً على الجميع كأعظم عظماء البشرية على الإطلاق، لأنه قد تمكن من تغيير عالمه الذي عاش فيه، ولم يعد العالم هو نفسه كما كان قبل بعثه، وامتد تأثيره بنفس القوة إلى الوقت الحاضر، ولا زال إلى اليوم محتفضاً بزخمه وقدسيته، واستمر البشر يدخلون في الإسلام أفواجاً، وبقي و سيبقى إسمه يتردد مقروناً بإسم الله سبحانه وتعالى خمس مراتٍ في اليوم، مستمراً على مدار الساعة، إذا أخذنا فوارق التوقيت، وفي كل شبرٍ من أصقاع الأرض، كما أنه نجح نجاحاً كاملاً على جميع الأصعدة، في جميع المجالات الدينية والدنيوية بل وحتى العسكرية، فكان نبياً ورسولاً مخلصاً وهادياً حكيماً ومعلماً مستنيراً وقائداً فذاً وحاكماً عظيماً، وابناً باراً وزوجاً مخلصاً وأباً رحيماً،
وعمر رضي الله عنه، كان تلميذه النجيب، وكان تأثيره كبيراً كذلك، فلم يعد الإسلام بعد إسلامه كما كان قبله، والرسول (ص) كان يدعو ربه أن ينصر الإسلام بأحد العمرين : (عمر بن الخطاب)، أو (عمرو بن العاص) على قول، و (عمرو بن هشام) (أبو جهل) على قولٍ آخر، فلما أسلم (عمر)، كبر المسلمين بعد خوف، وجهروا بإسلامهم بعد إخفاء، ثم انه عندما توفي الرسول (ص) كان له دوراً معروفاً في منع الخلاف، وجمع الصف، وبادر فبايع أبو بكر بالخلافة فتبعه الناس مبايعين، وعندما تولى الخلافة أصبح من أعظم الحكام في تاريخ البشرية، وقام بإبتكار الأنظمة، وسن القوانين، التي لم تعرف في بلاد العرب قبله، فأنشاء الشرطة، والعسس، والبريد، وكان أول من عمل بالتاريخ الهجري، ثم سير الجيوش، وفتح الفتوح، ومنها بلاد الروم وفارس، ونجح الفاروق (رضي الله عنه) في سنوات خلافته العشر في أن يؤسس أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، فقامت دولة الإسلام، بعد سقوط إمبراطوريتي (الفرس) و (الروم)، لتمتد من حدود الصين شرقًا، إلى مصر وإفريقية غربًا، ومن بحر قزوين شمالاً، إلى السودان واليمن جنوبًا،
ولد عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العُزَّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي (رضي الله عنه) في مكة ونشأ بها، وكان أبوه (الخطاب) معروفًا بشدَّته وغلظته، وكان رجلاً ذكيًّا، ذا مكانة في قومه، شجاعًا جريئاً، كما كان فارسًا من فرسان العرب، شارك في العديد من الحروب والمعارك، وكان على رأس بني عدي في حرب الفجار، وقد تزوَّج (الخطاب) عددًا من النساء، وأنجبن له كثيرًا من الأبناء، وحظي عمر (رضي الله عنه) في طفولته بما لم يَحْظَ به كثيراً من أقرانه من أبناء قريش، فقد تعلَّم القراءة والكتابة، ولم يكن يجيدها في قريش كلها غير سبعة عشر رجلاً، ولما شبَّ عُمر (رضي الله عنه) كان يرعى في إبل أبيه، وأجاد المصارعة، وركوب الخيل، كما أتقن الفروسية والرمي، وكان عمر (رضي الله عنه) كغيره من شباب (مكة) قبل الإسلام محبًّا للهو والشراب، وقد ورث عن أبيه ميلاً إلى كثرة الزوجات، فتزوَّج في حياته تسع نساء، وَلَدْن له إثني عشر ولدًا (ثمانية بنين وأربع بنات)، ولم يكن كثير المال، إلا أنه عرف بشدة إعتداده بنفسه، حتى إنه ليتعصب لرأيه ولا يقبل فيه جدلاً، وعندما جاء الإسلام وبدأت دعوة التوحيد تنتشر، أخذ المتعصِّبون من أهل مكة يتعرضون للمسلمين ليردوهم عن دينهم، وكان (عمر) من أشدِّ هؤلاء حربًا على الإسلام والمسلمين، ومن أشدهم عداء للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، وظلَّ (عمر) على حربه للمسلمين، وعدائه للنبي (صلى الله عليه وسلم)، حتى كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وبدأ (عمر) يشعر بشيءٍ من الحزن والأسى لفراق بني قومه وطنهم بعدما تحمَّلوا من التعذيب والتنكيل، واستقرَّ عزمه على الخلاص من (محمد) (ص)، لتعود إلى قريش وحدتها التي مزَّقها هذا الدين الجديد! في نظره آنذاك، فتوشَّح سيفه، وانطلق إلى حيث يجتمع الرسول وأصحابه في دار الأرقم، وبينما هو في طريقه لقي رجلاً من (بني زهرة)
فقال: أين تعمد يا عمر؟
قال: أريد أن أقتل محمدًا،
فقال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم!
وأخبره بإسلام أخته (فاطمة بنت الخطاب)، وزوجها (سعيد بن زيد بن عمر) (رضي الله عنهما)،
فأسرع (عمر) إلى دارهما، وكان عندهما (خبَّاب بن الأرت) (رضي الله عنهم) يقرئهما سورة (طه)، فلما سمعوا صوته إختبأ (خباباً)، وأخفت (فاطمة) الصحيفة،
فدخل عمر ثائرًا، فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها، فلما رأى الصحيفة تناولها فقرأ ما بها، فشرح الله صدره للإسلام،
وسار إلى حيث النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، فلما دخل عليهم وجل القوم،
فقام إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل سيفه، وقال له: أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة ؟
فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فكبَّر رسول الله والمسلمون،
وكان المسلمون يخفون دينهم، يجتمعون ليتدارسونه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، لا يخرجون منه خوفاً من قريش،
فقال عمر: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟
قال الرسول: بلى،
قال: ففيم الإختفاء إذاً ؟
فخرج المسلمون في صفين، حتى دخلوا المسجد، فلما رأتهم قريش أصابتها كآبة لم تصبها مثلها،
وكان ذلك أول ظهور للمسلمين على المشركين، فسمَّاه النبي (صلى الله عليه وسلم) (الفاروق) منذ ذلك الحين، أي الذي فرَّق الحق عن الباطل،
كان رضي الله عنه من طرازٍ نادرٍ من الرجال،
وكان لديه ما يسمى بحاسة التخاطر عن بعد،
ويقال أن أحد أكبر معاهد (التخاطر) في أميركا قد وضع في أكبر قاعاته نحتاً على هيئة شيخ عربي،
فلما سئل المختصون في ذلك المعهد عن شخصية الرجل، أفادوا بأنه (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه،
وعن سبب ذلك أفادوا بأنه هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي جمع حاستي التخاطر البصري والسمعي،
وأن لا أحد قبله ولا بعده جمع بين هاتين الحاستين النادرتين،
وقد دون التاريخ قصة (يا سارية الجبل)، وفحواها أن جيش المسلمين كان يخوض معركةً في بلاد فارس ضد الفرس، وقد إنقطعت أخبار الجيش لبعد المسافة، فلا يصل الخبر إلى المسلمين في المدينة إلا بعد وقوعه بشهر أو أكثر، وفي إحدى الجمع، كان (عمر) رضي الله عنه قائماً يخطب على المحراب، فتوقف فجأة ثم صرخ بأعلى صوته : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل،
ثم أكمل الخطبة، وبعد الصلاة سألوه عن هذا التصرف الغريب الذي صدر منه، فأخبرهم أنه رأي جيش الفرس يلتف حول جبل ، ليفاجيء جيش المسلمين من الخلف، فيطوقه ويقضي عليه، فصاح في الجيش محذراً لهم، وطالباً منهم الصعود إلى الجبل لتفادي الإحاطة بهم من الأمام ومن الخلف، حيث يتمكن جيش الفرس من إبادتهم جميعاً،
وعندما عاد الجيش إلى المدينة بعد عدة أشهر أفادوا بأنهم في ذلك اليوم بالتحديد، كانوا يخوضون معركةً شرسة مع الفرس، وفي خضم المعركة سمعوا صوتاً عرفوا أنه صوت عمر، يتردد في أرجاء الفضاء، وينادي قائدهم واسمه (سارية)، بقوله يا سارية الجبل، فصعدوا إلى الجبل، وعندها رأوا أن جيش الفرس يحاول الإلتفاف عليهم من الخلف، فتمكنوا بإستخدام السهام من إبعاده، ثم نزلوا وهزموا الفرس، ولولا ذلك لكان جيش المسلمين قد هزم، وأبيد عن بكرة أبيه،
فعجب المسلمين من ذلك،
كان عمر رضي الله عنه عبقرياً،
يقول عنه الرسول (ص) : (لم أر عبقرياً يفري فريه)،
ويقال بأن من صفات العبقري أن يكون :
إما قصيراً مفرطاً في القصر، أو طويلاً مفرطاً في الطول،
غزير الشعر، أو أصلع،
أيسر (أي يستخدم يده اليسار)،
وكان عمر رضي الله عنه، طويلاً مفرطاً في الطول، أصلعاً، أعسر أيسر، أي أنه أعسر، ولكنه يعمل بكلتا يديه،
رحمك الله يابن الخطاب، فقد كنت العدل على هيئة البشر،
لقد كنت العدل يمشي على قدمين،
ولو كان بشراً يبلغ الكمال، لبلغته في أبلغ صوره، وأسمى صفاته، وأبهى حلله،
نعم يا عمر ، لم يُرى أحداً خلاف رسول الله،
قبلك ولا بعدك ، عبقرياً يفري فريك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

نرحب بجميع وجهات النظر
فلا تبخلوا بتعليقاتكم